الرئيسية | أعمدة الرأي | الدريوش: تحليل الشأن المحلي بين الحزبي و الأدبي

الدريوش: تحليل الشأن المحلي بين الحزبي و الأدبي


لقد أبان النقاش الدائر حول أزمة الممارسة الحزبية، عن تباينات واضحة على مستوى ضبط المفاهيم، أدت إلى بزوغ أزمة أسس غطت على الأدوار الحقيقية المنوطة بالمنتخب، الذي من المفروض أن يعتمد نهجا أقرب إلى الواقعية، بدل اعتماد الصمت حيال الملفات الأساسية والحاسمة للساكنة، ثم الهروب إلى الأمام، الأمر الذي تولد عنه نقص حاد في جانبيه المنهجي والعملي، لدرجة بات الخلط جليا بين المفردات الحزبية و التحليل الأدبي الصرف، يعزى إلى نقص في التكوين العملي والمعرفي، حيث أصبح التحليل الأكاديمي الذي يعتمده منظري الشأن الحزبي محط سجال من فوق برج عاجي، فاختلطت المترادفات وعم التخبط. 

يعزى التخبط  الحاصل في الممارسة الحزبية إلى التباس جلي على مستوى ضبط الأدوار المبنية على أساس التعاقد الأخلاقي الذي تولد عنه تموقع بين بين.

يتشكل التحليل السياسي للوضع القائم من لغة تجعل منه أداة قادرة على تقويم الشأن المحلي، من خلال خطاب ينم عن خبرة أصحابه، بعيدا عن التصنيف الأكاديمي الذي يحصره في وظيفة نقل الخبر، فمن شروط نجاح هذا الأخير، كونه ينبني على أساس دراسة الوقائع ويهتم بالحياة العامة، فنجده يركز على الوظائف، ويخدم الأهداف، الأمر الذي يفرض التمييز بين كل من الخطاب الأدبي والسياسي.

إذا كان الخطاب الأدبي لغة تجمد بين المفردة و السرد الأدبيين، فإنها تضم رموزا لغوية يسهل فكها، وعملية تحليلية تقتصر على خدمة الأهداف العامة للغة، شريطة احترام البعد الوظيفي، الذي يفرض توحيد المنطلقات والأسس، ويشترط، قبل كل شيء، ضبط المفاهيم، فهو تحرير يركز على الدلالة الرمزية للغة، ويتخذ من فلسفة التواصل وسيلة لنشر المعلومة، وضمان نشرها .

لكن الخطاب السياسي فهو لغة تعتمد تحليل الوقائع المرتبطة بالمتغيرات: الآني منها والقادم، إذ تعمل على دراسة مدى الارتباط  القائم بين الحياة السياسية و متطلبات البيئة، وعملية تحليل من داخل المؤسسات الحزبية الممارسة للشأن العام، حيث يتقيد مضمون خطابها في أمور الشأن العام، ويضع قضايا الساكنة محكا لتقويم الأداء، مما يجعل كل المبادرات، المنجزة والمؤجلة، كفيلة بوضع لبنات للممارسة الجادة ثم التأسيس لمعالم مشهد يسهل تقويمه.

من دون شك، فإن ثنائية العلاقة بين اللغوي و السياسي، في بعديهما التحليلي، هي علاقة مفاهيم تتحدد من خلال القدرة على التمييز بين هذا وذاك، إذ أن الاختلاف الحاصل بينهما، هو اختلاف في القراءة للخطاب في شموليته، والذي يعزى إلى نقص في التكوين، ينتج عنه خلط ينعكس على مستوى فهم المراد، فمن الواضح أن إحداهما يخدم الأخر، رغم تباين الأدوار و المهام، و حتى لا يسقط  المتلقي في هوة سوء التأويل و الفهم، لابد من ضبط الخطاب وحسن تمييز اللغة المعتمدة، وحتى لا نجعل منه خطابا مفرغا من حمولاته و دلالاته، لابد من اعتماد نظرة النقد والتقويم للمسار والمنجزات، بدل اعتماد نقاش ينم عن قصور في الفهم، وإسقاطات تفتقد للجدوى، أما التواجد بين بين، في إطار التحالفات، فهو، بالكاد، لا يخدم البرامج و لا الأهداف، بقدر ما يضع هذا اللون الحزبي أو ذاك محط نقد ومساءلة، فبدل محاولة تجاوز ثغرات و اختلالات الزواج الحزبي المحرم داخل المجلس، تجدهم يميلون إلى نقد النقد، واعتماد محاولات فاشلة لوضع بعض أعمدة الرأي الحرة داخل خندقة هذا التيار أو داك، رغم كون منبر الرأي مجرد مساهمة بسيطة لقراءة الواقع، ومحاولة بسيطة لتفسير الوقائع، ويظل الخطاب السياسي  مميزا عن شقيقه الأدبي، من خلال تباين على مستوى المفاهيم المعتمدة، تلك لتي تركز على الأبعاد  والدلالات الرمزية، لتجعل منه رموزا لغوية تخدم الشأن المجتمعي، فتحصر غاياته ومراميه  في تنزيل البرامج وخدمة الأهداف، والمساهمة في صنع خريطة طريق الشأن المحلي .

لقد فقدت التوجهات الحزبوية للشروط و الآليات التي تجعل منها ممارسات سليمة من الاعوجاج و الفوضى، فلم تستحضر الحد الأدنى من الوعي السياسي والفكري، ولم تستطع تجاوز مشاكلها البنيوية المتمثلة في سوء التمييز في الخطاب، ولا هيكلة مؤسساتها الحزبية المساهمة في التأطير، مما أدى بها إلى اعتماد تموقع من خلال شوطين، شوط مع وآخر ضد، في ضرب واضح لاختيارات الساكنة، التي باتت لا تميز بين الأمس و اليوم، لتظل قناعات المنتخب معلقة بين أحلام السبات واليقظة، بين ضرورات الانخراط في دواليب الشأن السياسي، واعتماد نقاش راديكالي التوجه والمسار، فتقويم الاعوجاج لن يتأتى إلا  باحترام أدبيات التوجه الحزبي، فالأمر الذي يجب أن يطبع الممارسة الحزبية، هو حضور ديمقراطية داخلية حقيقية، و صناعة استقرار حزبي، قصد إنجاح مهمة التعاطي مع قضايا الشأن العام .

لم تعد الدكاكين الحزبية قادرة على تكوين النخب السياسية، تلك التي يفترض فيها أن تكون في موقع يؤهلها لممارسة الواجب، من منطلق المسؤولية الملقاة على أعناقها، الأمر الذي ظل، لفترات، يهدد استمراريتها، فيضع مصداقيتها موضع مساءلة، سوف تنعكس على مستوى الممارسة، لتفقدها شرعيتها وقيمتها بسبب سقوطها في تناقض، في أغلب الأحيان، مع خطابها المناقض للمبدأ والانتماء .

إن الحديث عن المشهد الراهن هو حديث عن أزمة خطاب، لا يحقق مغزاه الأساسي، بسبب فقدانه للتقويم الذاتي، وتكريسه لأزمة كراسي فارغة، نتيجة تناقض بين الموقع و الخطاب المعتمد، بل إن تردي الممارسة وقصور البرامج أكبر دليل على ارتداد المشهد السياسي وخروجه عن المسار الحقيقي، الذي يفرض على المؤسسات الحزبية تغيير استراتيجيتها، عاجلا، ثم التمييز والتفاعل بين الأدبي    والسياسي .

Post on Facebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك