الرئيسية | أعمدة الرأي | عقلانية العقلانية

عقلانية العقلانية


لطالما استند التقليد المعرفي إلى فرضية أن مدركاتنا العقلية للعالم تمنحنا صورة عن كيفية سير الأمور، وعن ماهيتها والكون الذي يضمها. وهذه وسيلة منمقة للتأكيد على الحاجة إلى فعل التفلسف باعتباره أفضل فعل للبشر طوال مدة مكوثهم على هذه الأرض، والقول بأن الوعي، فعل العقل، هو الارتسامة الصحيحة عن الوجود الصحيح. وهذا النهج في البحث عن الماهيات والجواهر الثابتة للأشياء خلق تطاحناً بين عالم المثل المجردة وبين التجربة والاستقراء الذي يمثل لدى البعض المستويات السفلى من المعرفة.

وثمة حقيقة لا مفر منها، تلك المتعلقة بتعزيز قيمة العقلانية البشرية، الأمر الذي يشير إلى أن الاتجاه نحو إعلاء صوت العقلانية بوسائل ضيقة محددة سلفا دونما اعتبار لخصوصية الموضوع المدروس هو اتجاه غير منطقي.

وإنه لمن اليسير أن نفهم أن الإنسان بقلقه الروحي، وباعتباره مستقر هجين للأفكار والعواطف هو خليط مدهش من الأشياء ونواقضها. هو صبغة روحية ملطخة بقوى مادية، فسيرورته التطورية انطلاقا من الأميبا وصولا إلى كونه حالة بيولوجية فُسِح لها مجال الهيمنة، بتدخل وبدون، هي نتاج  تفاعل الخلائط. ففي الواقع، الإنسان بعد أن كشف شيفرة الحياة، وأقصد هنا ما أصبح يعرف بالهندسة الوراثية، أصبح سيد النانومتر والكيلومتر. احتل الأشياء الماكروسكوبية، وهزم الحوائج الميكروسكوبية. لكن ثمة سؤال يلوح في الأفق: هل الإنسان كائن عقلاني؟ أم هو حفنة من الهلوسات التي تؤكد إصابته بجنون العظمة؟

أثناء مروري بتجربة وعي رائقة، وهي تجربة التأليف التي خضتها بوعي حسي بياني تصويري وليس تمثيلي، أخذت على عاتقي المعرفي الخوض في النوادر البشرية والبحث عن أكثر ما أبهر ويبهر في الإنسان منذ آدم إلى مئتين وعشرين ألف رضيع، وهو عدد المواليد الجدد لهذا اليوم، فوجدت أننا لسنا عقلانيين كما نعتقد، بل نحن عاصفة كامنة في اللامنطق المزعج لكل شيء، وأصر على تعميق هذا الحكم بالقول إن الإنسان مغالطة منطقية وتحيز إدراكي تدخلت شؤون عدة في إعلاءه دون وجه حق، فكيف ذلك؟

1.                إنه لمن الجيد، قدر الامكان، أن نسعى إلى العقل والانتباه، لكن ماذا لو كانت الخاصية الأخيرة هي نفسها الدلالة البارزة على القصور العقلاني البشري. لقد سبق قلنا أن الإدراك هو المقدرة الضئيلة في التركيز على أقل عدد ممكن من الأشياء، ومن نفس النوعية. وهذا يجعلنا في الحياة عموما نعاني من سجن الخيار الواحد، ومن معضلة الزاوية التي من خلالها نعالج الأمور، فنقم بعدها بإعدام كل ما عداه، وأعني خيارنا الذي نجزم بمنطقيته.

2.                  أثر تفكيك شيفرة الحياة: لقد اتخذ الانسان خطوة مجنونة، لا عودة لها، حين قام منذ مطلع الألفية بمهاجمة ADN رمز الحياة، فقام بتغيير الجينات وتحويلها، ولجأ إلى التلاعب بالأجنة وجنسها، وقام بسحق كل ما هو طبيعي مألوف، إذ خلق الطفرات طامحا إلى أن يكون حاكما لهذا الكون، ما تمخض عنه أسوء النتائج، وأغرب المفاجأت.

3.                  الذكاء الصناعي: إن حتفنا النهائي وفخنا القاتل هو ما يسمى بالذكاء الصناعي. أفلام الخيال العلمي لن تعود بعد الأن خيال، بل ستغدو واقعا. فالانسان الذي سيطر على الاخضر واليابس يظن أن بامكانه السيطرة على الرب، لكن بعض التجارب المسكوت عنها تفيد أن هذه الالات تطور نفسها بنفسها، ما يعني أننا لا ندرك الى أي سياق قد تقودنا ونفسها مستقبلا. فأين العقل من فكرة أن نخلق شيئا قد يهلكنا؟

4.                  رابعا وأخيرا، هو ما يسمى بأثر عربة الموسيقى، أو صور التفكير الجمعي في مجتمعنا، التي تقوم على أطروحتها البليدة: "لي خرج من الجماعة شيطان"، والتي تفيد بأن عقلانية تفكيرنا العقلاني غير عقلانية.

Post on Facebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك