الرئيسية | أعمدة الرأي | النواة الجامعية بالدريوش: لنا فيها مآرب أخرى

النواة الجامعية بالدريوش: لنا فيها مآرب أخرى


قبل سنتين من الآن بالتمام والكمال، وبالضبط في دورة فبراير 2016 خرج علينا رئيس مجلس جماعة الدريوش منتشيا، وهو يلوح في يده بورقة، يبشر من خلالها العالمين بقرب إنشاء جامعة بالدريوش. لم تكن المناسبة سوى مرحلة الحركات التسخينية التي تسبق الانتخابات البرلمانية، ولم تكن الورقة سوى مراسلة إعلان نوايا من رئيس جامعة محمد الأول بوجدة، اكتشفنا لاحقا أنها لم تكن حصرية لرئيس مجلس جماعتنا، بل كان لها أشباه ونظائر لمجالس أخرى، إذ علمنا لاحقا أن إحداهما يممت شطر مجلس ميضار بينما الثالثة كانت وجهتها المجلس الإقليمي.فماذا حدث بعدئذ؟

التقط رئيس مجلس جماعة الدريوش الفرصة ساخنة فسارع إلى إدراجها في دورة فبراير 2016. وعلى الفور اتخذ المجلس مقررا صادق من خلاله على تخصيص ما يناهز 70 مليون سنتيم من فائض ميزانية 2015 لاقتناء وعاء عقاري من الأملاك المخزنية، يوجد خارج نفوذه الترابي، يقدر ب 10 هكتارات و25 مليون إضافية لإنجاز التصاميم والدراسات التقنية الضرورية، أي بواقع حوالي ثلث فائض الميزانية. حينها كان الرئيس ما يزال يملك الأغلبية في المجلس أو بتعبير القاص السوري زكريا تامر ما يزال نمرا يصول في الغابات آمرا ناهيا، قبل أن ينتهي به الأمر سجينا في قفص المعارضة/الأغلبية.

وفي غمرة الحماس الذي اعترى المرجفين في ذلك الأوان، كتبت حينها مقالا بعنوان الجامعة بالدريوش؟ حسابات الممكن والمستحيل نشرته في المنابر المحلية، سفهت فيه بالأرقام والحجج أحلامهم، وكشفت بالدلائل والبينات أوهامهم.

وها هو موضوع الجامعة يعود إلينا من جديد، ولكن هذه المرة في لبوس جديد، كأن هذه الجامعة المزعومة ثعلب زفزاف الذي يظهر ويختفي. لكن قبل أن نتوقف لفهم سياق إخراج هذا الموضوع مجددا إلى الواجهة دعونا نتذكر بعجالة ما الذي حدث بعد تفجير ما سميناه في حينه بالقنبلة الصوتية.

في إطار جو الصراع السياسي القائم بالمدينة والإقليم ككل، لم يفوت رئيس مجلس الدريوش الفرصة فصادق على المقرر الذي أشرنا إليه آنفا قصد تسجيل نقطة على المعارضة وإظهارها في صورة الفئة الضالة التي ترفض المشاريع التنموية، وأيضا قصد سحب البساط من بقية الأطراف ذات الصلة بالموضوع، وفي هذا السياق صار المجلس الإقليمي خصما عنيدا بعد خروجه من سيطرة آل البوكيلي/التجمع الوطني للأحرار، ولذلك تركزت جهودهم على تفكيكه وإسقاطه، عبر سلوك مسطرة الطعون القضائية التي  فشلت في الأخير، ليخرج المجلس الإقليمي، ومعه المعارضة بمجلس الدريوش، من معركة تكسير العظام هذه أقوى من ذي قبل، بل وعقب ذلك مباشرة فقد محمد البوكيلي الأغلبية في مجلس الدريوش بعد انشقاق عضوين من مكتبه، والتحاقهم بالمعارضة.

أما المجلس الإقليمي، فمن منطلق الوعي بالاختصاص الترابي في هذه المسألة، على اعتبار أن النواة الجامعية ليست مدرسة ابتدائية أو ثانوية حتى تكون شأنا لجماعة واحدة، وإنما هي شأن إقليمي تدخل ضمن مجال تدخله، فقد انطلق إلى اتخاذ خطوات عملية بدءا بتوقيع اتفاقية شراكة مع رئاسة جامعة محمد الأول، ومرورا باختيار المكان المناسب لاحتضان النواة الجامعية المحتملة، استنادا إلى خلاصات المخطط المديري لجماعات حوض كرت الذي أعدته الوكالة الحضرية لإقليمي الدريوش والناظور، وانتهاء بالمصادقة في دورة من دوراته على تخصيص مبلغ 400 مليون سنتيم لاقتناء الوعاء العقاري المخصص لاحتضان مرافق متعددة منها النواة الجامعية المحتملة والمعاهد العليا والمحطة الطرقية، عبر مباشرة إجراءات مسطرة نزع الملكية الجارية في الموضوع. وهذا يظهر أن تعامله مع الموضوع كان واقعيا وذكيا ومحسوبا وبعيدا عن منطق الاستعراض الفلكلوري.

وفي ما يخص مجلس جماعة ميضار، فالقائمون على شؤونه وفي مقدمتهم رئيسه الحالي، يتحدثون أيضا عن وجود اتفاقية شراكة مع رئاسة الجامعة. لكننا لسنا ندري مدى صدقية وجود هذه الاتفاقية ، وإن وجدت، لا ندرى مدى جديتها وقوة استيفائها للشروط القانونية، وفي مقدمتها شرط التمثيلية. وبالنظر إلى أن مجلس جماعة ميضار حاضر بقوة في صناعة القرار داخل المجلس الإقليمي من موقع  النيابة الأولى للرئيس، ومن ثم فهو على علم بكل الخطوات المتخذة، بل كان شريكا في اتخاذها، فإننا لا نستبعد أن يكون الاحتجاج الذي عبر عنه موجها نحو الداخل أكثر مما هو موجه لغيره، مراعاة لتوازنات داخلية صرفة.

بعد إثارة الموضوع في بداية 2016 دخلت المسألة دائرة النسيان، قبل أن تتفجر من جديد قبل أيام في صورة أحداث مفاجئة اتخذت صورة وقائع مفاجئة وغير مفهومة ومواقف انفعالية واضحة وقوية، بدأت باطلاعنا عبر المنابر الإعلامية المحلية على تهديد مجلس جماعة ميضار بتقديم الاستقالة لعامل الإقليم، وتلاها تصريح قوي لرئيس الجامعة يؤكد فيه التزامه مع شركائه  ورفضه أي تغيير في الموضوع، مما يدل على أن جهة ما تطلب منه ذلك، ثم انتهاء باجتماع أو اجتماعات عقدها عامل الإقليم علمنا من خلال التسريبات الاعلامية المخدومة، أن قد حضرها من حضرها وغاب عنها أو غيب عنها من غيب، ولا ندري عما تمخضت. ولا شك أن هذه الدينامية التي عرفتها المسألة تدفع المهتمين بالشأن المحلي إلى طرح مجموعة من التساؤلات. فلماذا عاد موضوع النواة الجامعية إلى دائرة النقاش؟ وهل هناك مستجدات تنبئ بقرب خروج هذا المشروع إلى حيز التنفيذ قريبا، مما يبرر طرحه من جديد؟ وإذا كان الأمر خلاف ذلك فما هي الخلفيات التي تدفع إلى إخراج هذه الورقة الآن؟ وماهي الغايات الخفية التي أريد أو يراد تحقيقها من ورائه؟ ألا يعتبر استخدام موضوع النواة الجامعية في الصراعات السياسية لعبا بالنار؟

يعتبر القانون المالي الذي تصادق عليه المؤسسة التشريعية بمثابة خارطة الطريق التي ترسم للحكومة برنامج عملها خلال السنة المالية من خلال تحديد المشاريع المبرمجة في كل قطاع، وتخصيص الاعتمادات المالية المرصودة لها. وبالعودة إلى هذه الوثيقة المرجعية نجد أن الميزانية الفرعية الخاصة بقطاع التعليم العالي التابع لوزارة التربية الوطنية لا تشير إلى برمجة أي مشروع في إقليم الدريوش. كما أن السيد كاتب الدولة لدى وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي المكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي السيد خالد الصمدي في زيارته مؤخرا لمدينة الناظور تجاهل الإجابة عن سؤال وجه إليه في الموضوع.

 إن المعطيات السابقة تنفي بشكل قاطع أن يكون تجدد الحديث عن النواة الجامعية مرده إلى ظهور مؤشرات عن قرب ظهورها إلى حيز الواقع، وهذا ما جعل المهتمين بالشأن العام على المستوى الإقليمي والمحلي يقدمون مجموعة من القراءات لإثارة هذا الموضوع في هذه الظرفية، رغم أن هناك أولويات لها طابع الاستعجالية تتطلب من المسؤولين سواء داخل الإدارة الترابية أو المجالس المنتخبة معالجتها دون انتظار من قبيل إتمام أشغال المستشفى الإقليمي وحل مشكلة الأسواق اليومية المغلقة منذ شهور، وتحريك عجلة الاقتصاد الراكد، وتنشيط سوق الشغل، وتوفير مؤسسات للتكوين المهني... وهذه القراءات لا تخرج عن بعدين يبدوان في الواقع منفصلين لكنهما في الجوهر على اتصال وثيق، أحدهما سياسي والآخر عقاري.

لفهم هذا البعد لابد أن نذكر بفقدان محمد البوكيلي عن التجمع الوطني للأحرار للأغلبية في مجلس جماعة الدريوش، بعد انشقاق عضوين من مكتبه وتماهيهما مع توجه المعارضة (حزب العهد الديموقراطي)  عبر ما يسميانه الخط الثالث، مما خلق حالة بلوكاج حقيقية داخل المجلس قيدت الرئيس وحدت من هامش تحركه خصوصا بعد إسقاط الميزانية. كما أن الأقلية المسيرة للمجلس ليست على وفاق مع المجلس الإقليمي الذي فقد عبدالله البوكيلي (شقيق محمد البوكيلي عن التجمع الوطني للأحرار) رئاسته لفائدة عبد المنعم الفتاحي (حزب العهد الديموقراطي)مما يعيق أي شكل من التعاون بين المجلسين وهذا ما جعل مشاريع مهمة كالسوق اليومي ومركز ذوي الاحتياجات الخاصة مثلا، خصص لها المجلس الإقليمي اعتمادات مالية مهمة لم تر النور بعد في مدينة الدريوش نتيجة لتلكؤ الرئيس في تخصيص الوعاء العقاري المناسب لذلك ـ والعهدة على المجلس الإقليمي ـ  مدفوعا بحسابات سياسوية ضيقة، خلافا لما عليه الأمر في بلديتي ميضار وبن الطيب، رغم أنه سبق للسيد محمد البوكيلي أن شرب لبن السباع وهاجم، على غير عادته، رؤساء المصالح الخارجية، في اجتماع رسمي، داعيا إياهم إلى إنجاز المشاريع التنموية بجماعته، متبجحا بوجود الوعاء العقاري الكافي، ويجب أن نذكر أيضا بالتحول الذي وقع في مجلس جماعة ميضار بعد انتقال الرئاسة من التجمع الوطني للأحرار إلى حلفاء رئيس المجلس الإقليمي في مجلس جماعة  ميضار عن حزب الأصالة والمعاصرة.

إن المعطيات السابقة تكشف أن شبكة التحالفات السياسية داخل  المدينة والإقليم قد تغيرت،  مما جعل عائلة البوكيلي ـ أو لنقل مجازا حزب التجمع الوطني للأحرارـ في موقف حرج لم تعتد عليه من قبل، حيث صارت معزولة محليا من خلال البلوكاج وإقليميا عبر الخروج من دائرة السلطة، وأيضا من خلال إحراج المجلس الحالي لها عبر سجل منجزاته ، وهو لما يتجاوز بعد منتصف ولايته، قياسا مع فترة رئاسة البوكيلي التي مرت بيضاء. وهذا الأمر لم يكن لعائلة البوكيلي أن تستسيغه بسهولة وهي العائلة ذات النفوذ السياسي القديم التي بسطت سيطرتها على جماعة الدريوش بل وعلى الإقليم ككل، لعقود من الزمن، مما مكنها من توارث منصب رئاسة جماعة الدريوش والتمثيلية البرلمانية، وتداولهما حصريا داخلها.

يقول المتتبعون إن الأطراف التي عمدت إلى إثارة موضوع النواة الجامعية في هذا الوقت بالذات ،على درجة عالية من الدهاء السياسي، فهي من خلال إخراج موضوع النواة الجامعية في هذا الوقت دون وجود أي داع لذلك ،كانت تهدف بالخصوص عبر استثمار التناقضات القبلية امطالسة/الدريوش ≠بني توزين/ميضار، وإحياء الصراعات التاريخية بين المكونين القبليين إلى تفكيك التحالفات السياسية القائمة، وإعادة تشكيلها عبر تفجير أغلبية المجلس الإقليمي من خلال دفع مكوناته إلى الصدام الداخلي، ومن ثم إفساح المجال أمام تشكيل أغلبية جديدة خصوصا وأننا على مشارف منتصف ولاية المجالس المنتخبة التي تتيح إمكانية الانقلاب السلمي على الرئيس من خلال توفير أغلبية الثلثين، أو عبر بوابة استخدام عامل الإقليم لسلطاته في إحالة طلب عزل الرئيس الفاقد للأغلبية على المحكمة الإدارية المختصة.

كما يتحدث آخرون على أن الهدف من هذه الخطوة لم يكن سوى خلق وضعية مصطنعة للشعور الجماعي، لدى الأغلبية المعارضة والأقلية المسيرة بمجلس جماعة الدريوش، بالتهديد الخارجي(مطالبة مجلس جماعة ميضار باحتضان النواة الجامعية)  قصد  تكسير جليد البلوكاج الذي يجمد مفاصله، وبث الحياة فيه من جديد، وذلك عبر اصطناع ضغط شعبي يدفع الطرفين في هذا الاتجاه، تحت طائلة تخوين الطرف الممانع عبر توظيف جيش من محترفي بث السموم والدعايات والإشاعات المغرضة داخل المقاهي، يوجد دوما على أهبة الاستعداد للقيام بمثل هذه المهام القذرة الساعية إلى تحقيق الاغتيال الرمزي للخصوم السياسيين، قبل الوصول إلى محطات الصراع الحاسمة .وتكتسي هذه القراءة أهميتها  ـ حسب المحللين المحليين ـ بالنظر إلى أن حالة البلوكاج  التي يعرفها مجلس جماعة الدريوش صارت تشكل حرجا كبيرا، لكونها تعيق تنفيذ المشاريع التنموية المبرمجة، وفي مقدمتها الشطر الثاني من التأهيل الحضري الذي لا يستقيم أن ينطلق في الجماعتين الحضريتين المجاورتين دون عاصمة الإقليم. 

وبالنظر إلى التداخل الوثيق بين القرارات  السياسية وارتدادتها الاقتصادية، ربط الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، بين موضوع النواة الجامعية  والمكان المقترح لإنجازها حال ما توفرت الشروط الموضوعية لذلك. فتحدث بعضهم عن ضغوط يمارسها أحد أعضاء مجلس جماعة الدريوش النافذين قصد تغيير المجال المقترح لإنشاء النواة الجامعية حماية للوعاء العقاري الذي تعود ملكيته إليه، والذي يجري المجلس الإقليمي حاليا بصدده مسطرة نزع الملكية من أجل توفير الوعاء العقاري لإنشاء المحطة الطرقية والنواة الجامعية المحتملة والمعاهد العليا إن وجدت، في إطار خطة استباقية ذات بعد استشرافي. وفي مقابل ذلك قالت بعض الأوساط إن منعشا عقاريا ببلدية ميضار أبدى استعداده لتوفير الوعاء العقاري اللازم لإنشاء النواة الجامعية مجانا، رغبة منه في تثمين مشروعه العقاري الذي لا يلاقي الرواج المطلوب.

على سبيل الختم، نحمد الله أن المسألة لم تنل الزخم الذي أريد لها على المستوى الشعبي ،من خلال غياب أية ردود فعل تجاهها، فقد بقيت حبيسة المجالس السياسية، وسرعان ما ستعود إلى دائرة النسيان، بكل بساطة لأن المعطيات والحقائق على الأرض تكشف أن موضوع النواة الجامعية ما يزال بعيدا عن المتناول ،مادامت معايير وزارة التعليم العالي تتحدث عن 6000 طالب  فما فوق للحديث عن نواة جامعية، ونحن على أية حال بعيدون جدا عن هذا الرقم. وأيا كانت الدوافع الحقيقية وراء إثارة هذا الموضوع الفارغ في هذه الظرفية، ، فإن طرح هذا الموضوع مجددا وجعله سببا لإثارة النعرات القبلية، وإيقاظ الفتنة النائمة، لتحقيق مكاسب سياسية أو مادية ضيقة، يعتبر نوعا من العبث واستخفافا بعقول العباد، ولعبا بالوعود الفارغة، بل ولعبا بالنار، خصوصا ونحن في منطقة تعرف تذمرا متصاعدا، يجعلها مرشحة للاشتعال في أية لحظة خصوصا في ظل جوار ملتهب.

 

من يلعب بالنار تحرق أصابعه أولا. 

Post on Facebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك