الرئيسية | أعمدة الرأي | 1 يناير درس في الوطنية للأجيال المتعاقبة

1 يناير درس في الوطنية للأجيال المتعاقبة


 

يخلد الشعب المغربي اليوم الخميس الذكرى 74 لحدث تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، وهي الوثيقة التي جسدت مدى سمو الوعي الوطني وقوة التحام العرش بالشعب دفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية واستشرافا لآفاق مغرب مستقل وكامل السيادة. 

إن ذكرى 11ياير 1944 توحي للجيل الحالي والأجيال المتعاقبة بدروس ذات مغازي كبيرة في الروح الوطنية وفي مدى قوة جمع الشمل والالتفاف حول العرش من أجل مواجهة التحديات وكسب رهانات الحاضر والمستقبل تحت القيادة الرشيدة والمتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي يحمل لواء إعلاء صروح المغرب الحديث. 

وتعتبر هذه الذكرى إحدى النفائس والدرر التاريخية الغالية التي صنعها المغاربة الأشاوس وفي مقدمتهم أب الأمة ومحررها جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه. ولذلك على الشعب المغربي أن يجعلها درسا في الوطنية يزيد من تقوية اللحمة الداخلية في مجابهة كل التحديات والاكراهات التي يجابهها المغرب في العصر الحالي، سواء فيما يتعلق باستكمال استرجاع الثغور المحتلة في الشمال أو في إنهاء النزاع المفتعل حول أقاليمنا الجنوبية في الصحراء المغربية.

والمغرب الذي كان دائما سدا منيعا في مواجهة كل الأطماع الأجنبية تعرض إلى غزو دولي غير مسبوق من طرف الاستعمار في مطلع القرن الماضي؛ فقسم البلاد إلى مناطق نفوذ توزعت بين الحماية الفرنسية بوسط المغرب والحماية الإسبانية بالشمال والجنوب، فيما خضعت منطقة طنجة لنظام دولي.  وهو ما جعل مهمة التحرير الوطني عسيرة بذل العرش والشعب في سبيلها تضحيات جسيمة في سياق كفاح متواصل طويل الأمد ومتعدد الأشكال والصيغ لتحقيق الحرية والانعتاق من ربقة الاستعمار في تعدد ألوانه وصوره.

فخاض المغاربة معارك ضارية بالأطلس المتوسط وبالشمال والجنوب، كما ناضلوا على الواجهة السياسية من خلال مناهضة ما سمي بالظهير البربري التمييزي في 16 ماي سنة 1930 ، وتقديم المطالب الإصلاحية في 1934 و 1936 ، وبعد ذلك أجمع رجالات المقاومة وأعضاء جيش التحرير على تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944.

وعبر هذه المراحل التاريخية، عمل بطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، على إذكاء جذوتها وبلورة توجهاتها وأهدافها منذ توليه عرش أسلافه المنعمين يوم 18 نونبر 1927 ، حيث جسد الملك المجاهد رمز المقاومة والفداء قناعة شعبه في التحرير وإرادته في الاستقلال، معبرا في خطاباته التاريخية عن مطالب الشعب المغربي في الحرية والاستقلال وتمسك المغرب بمقوماته وثوابته الأصيلة والأثيلة، متحديا كل محاولات طمس الهوية الوطنية والشخصية المغربية.

وانسجاما مع مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، حدث تحول نوعي في طبيعة ومضامين المطالب المغربية بحيث انتقلت من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بالاستقلال. وكان لهذا الانتقال انعكاسات على مسار العلاقات بين سلطات الحماية الفرنسية والحركة الوطنية التي كان بطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس رائدا لها وموجها وملهما لمسارها بإيمان عميق وعزيمة راسخة وثبات على المبادئ والخيارات الوطنية، 

وفي السياق ذاته، تشير المندوبية السامية للمقاومة وأعضاء جيش التحرير إلى أن هذه المرحلة العصيبة تميزت بتكثيف الاتصالات واللقاءات بين القصر الملكي وصفوة طلائع المناضلين والوطنيين الأشاوس، وبرزت في الأفق فكرة تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال بإيحاء من جلالة المغفور له محمد الخامس، ثم شرع الوطنيون في إعداد الوثيقة التاريخية بتنسيق محكم مع جلالته وتوافق على مضمونها. فكان طيب الله مثواه يشير عليهم بما تمليه حنكته السياسية من أفكار وتوجهات كفيلة بإغناء الوثيقة التاريخية والحرص على تمثيلها لكافة الفئات والشرائح الاجتماعية ومكونات الخريطة السياسية والجغرافية للمغرب، حيث تم تقديمها بعد صياغتها النهائية إلى الإقامة العامة فيما سلمت نسخ منها للمصالح القنصلية للولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، كما أرسلت نسخة منها إلى ممثلية الاتحاد السوفياتي آنذاك. 

و كان علماء القرويين الذين تحمسوا إلى كتابة هذه الوثيقة أكثر رغبة في مقابلة السلطان محمد الخامس فسافروا إلى الرباط يرأسهم مدير جامعة القرويين الأستاذ محمد الفاسي الذي ألقى رسالة الوثيقة على مسمع جلالته في لهجة مؤثرة ، رد عليه جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله قائلا: " يسرني أن أرى رجال التعليم بالقرويين يعيشون أحداث البلاد و يدلون فيها بآرائهم و فتاويهم، و نحن عشنا في بلادنا أحرارا، و التاريخ لا بد أن يعيد نفسه، و العرش العلوي الذي قاد الأمة في الماضي إلى ما فيه خيرها و صلاحها، لا بد أن يقودها في المستقبل إلى ما فيه خيرها و فلاحها".

Post on Facebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك