الرئيسية | أعمدة الرأي | النموذج التنموي بين الكائن والممكن

النموذج التنموي بين الكائن والممكن


كثر الحديث مؤخرا في الدوائر الرسمية عن ملامح النموذج التنموي الجديد الذي سيقود البلاد إلى بر الأمان ، ويحقق حاجيات ملايين المغاربة التواقين إلى العيش بكرامة ، خاصة بعد إعلان أعلى سلطة بالبلاد ،على هامش افتتاح الدورة التشريعية لهذه السنة ، عن فشل النموذج التنموي لبلادنا .

فشل النموذج التنموي لبلادنا هو نتيجة طبيعية لسياسة تنموية غير طبيعية أدت إلى تراكم الثروة في جيوب حفنة من المحظوظين الذي يعرفون من أين تؤكل الكتف ، كما أنه نتيجة طبيعية ''للإسهال '' المفرط في التشخيصات التي عرفتها البلاد ، رغم أن مواطن الخلل واضحة للعيان ، فيكفي أن تستحضر نتائج الاستحقاقات الانتخابية وتعدد ''أصحاب الشكارة '' والمفسدين ومصاصي الدماء الذي يجثمون على أنفاس البسطاء ، وتعرف سبب تعثر التنمية وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لفئات عريضة من أبناء هذا الوطن الجريح .

لقـــــــد كان حراك الحسيمة إنذارا رئيسيا وشهادة وفاة لشيء اسمه النموذج التنموي ، غير أن الدولة المغربية لم تلتقط الإشارة وعوض وضع قطار التنمية على السكة السليمة قامت بزج أحفاد عبد الكريم الخطابي في غياهب الزنازن المظلمة وشيطنة مطالبهم . إلا أن فاجعة الصويرة التي أدت إلى مقتل 15 امرأة وخلفت 44 يتيما خلال عملية توزيع مساعدات غذائية عرت عن الوجه البشع لتنمية ''الموت البطيء'' . وبعد مرور شهر على هذه الواقعة الأليمة ، استيقظت ساكنة جرادة ،مرة أخرى، على هول فاجعة موت شابين داخل أحد الآبار العشوائية لاستخراج الفحم الحجري ،مما دفعها إلى الخروج في مظاهرات عارمة احتجاجا على تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بالمدينة ،مطالبة بإيجاد بديل اقتصادي وتوفير فرص الشغل لأبنائها المكتوين بنار البطالة وغلاء الأسعار وفواتير الماء والكهرباء .

إن لجوء العديد من شباب جرادة إلى استخراج الفحم من عمق 80 متر تحت الأرض في ظروف لاإنسانية ، لايمكن تفسيره إلا باستفحال الفقر بالمنطقة والإقليم برمته ، وانعدام التنمية وضيق ذات اليد . وهي صورة طبق الأصل ،رغم اختلاف الزمان والمكان ، لما حدث لبائع السمك ''محسن فكري '' بمدينة الريف الشامخ .وسيتكرر الأمر لامحالة ، إذا لم يتم التدخل بخطط استباقية عاجلة ، في رقع أخرى من هذا الوطن الجريح وخاصة بإقليم فجيج الذي يـــعاني هو الآخر من ويلات التهميش والعزلة القاتلة ، حيث تشير العديد من الدراسات الاقتصادية الوطنية أن هلال الفقر بالجنوب الشرقي توجد رئته بهذا الإقليم .

إن المراتب المتأخرة التي تحتلها البلاد في مؤشرات التنمية هي حقيقة ساطعة طالما نفاها من يتولون تسيير شؤوننا ، فما دامت الثروة مركزة في يد حفنة من الإقطاعيين فإن أي حديث عن ''نموذج تنموي جديد '' هو حديث مبثور ودون جدوى . فلا تنمية حقيقية بدون توزيع عادل للثروة ، ولا يمكن للبلاد أن تتقدم خطوة إلى الأمام مادامت مآسينا تتناسل يوما بعد يوم، ومادام ضحايا لقمة الخبز يتساقطون تباعا .

 

 
Post on Facebook

الإشتراك في تعليقات نظام RSS التعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك